الإمام السجّاد سلام الله عليه .. عصره و دوره




بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين.·

نتناول في حديثنا هذا طبيعة العصر الذي عاش فيه الإمام السجّاد عليه السلام أوّلاً، ودوره سلام الله عليه في هداية الأمّة وتوجيهها ثانياً.

أما بالنسبة إلى الموضوع الأول فلقد شهد عصر الإمام السجاد سلام الله عليه مجموعة من الأزمات الحادّة في مختلف المجالات، ولكننا سنتعرض في حديثنا هذا بإذن الله تعالى إلى نوعين منها وهما: الأزمة الفكرية والأزمة الأخلاقية.

أ ـ الأزمة الفكرية وأسبابها

أما الأزمة الفكرية أو الثقافية فمنشؤها عاملان:

العامل الأول: الانفتاح على ثقافات الأمم الأخرى.

وهذه الأزمة تهدّد كلّ عملية انفتاح، إن لم يكن مخططاً لها من قبل. ولو نظرتم إلى أكثر بلادنا الإسلامية اليوم لرأيتم آثار الانفتاح على الثقافات الأخرى كالثقافة الغربية، ومن الواضح أنّ الحضارات الأخرى تمتلك منظومة فكرية مختلفة عن منظومتنا الفكرية، مثلاً: حجاب المرأة لا معنى له في حضارة الغرب، بل ربّما لا تمثّل العفة أساساً قيمة حضارية عند الكثير منهم.

وعندما تلتقي حضارتان وتنفتح إحداهما على الأخرى، فإن المنظومة الفكرية والثقافية للحضارة الأقوى تؤثّر على المنظومة الفكرية والثقافية للحضارة الأضعف.

ونحن نعتقد أن المنظومة الفكرية للإسلام هي أقوى المنظومات الفكرية، وبالتالي فإن الفرد الذي ييستوعبها لا يخافُ عليه من التأثّر أو الذوبان، وإن عاش في قلب الثقافات الأخرى، لأن ثقافته هي الأعلى.

بيد أن الثقافة الإسلامية وإن كانت أقوى الثقافات- وهذه القوة من مصاديق قوله تعالى: ]وأنتم الأعلون[ - لم يُتح المجال لها كي تُبَيّن بالشكل الكافي وتنتشر. ولو راجعنا التاريخ الإسلامي لرأينا أن النبي صلّى الله عليه وآله كان في مكة يعيش الضغوط الكبيرة، وكان في المدينة يخوض الحروب الدفاعية، والإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه كان يعيش حالة الإقصاء قبل الخلافة الظاهرية، حتى إذا آل إليه الأمر أثاروا في وجهه الفتن والحروب والمشاكل الداخلية، حتى قال أحد الغربيين: يجب أن نصنع لمعاوية تمثالاً من ذهب لأنه وقف في وجه تقدّم الإسلام على يد عليّ بن أبي طالب!

وهكذا الحال مع الإمام الحسن والإمام الحسين وكثير من الأئمة الآخرين صلوات الله عليهم أجمعين.

وهذا معناه أن الأمة لم تحصل على المناعة الفكرية الكافية، ولذلك عاشت خطراً فكرياً وثقافياً هائلاً عندما انفتحت على الثقافات الأخرى، فوفدت إليها الأفكار الجبرية والقدرية وأفكار الفلسفة اليونانية فأثّرت فيها تأثيراً سلبياً.

هل لاحظتم المصاب بمرض فقدان المناعة؟ إنه يُسقطه أضعف ميكروب، وقد يصيبه زكام خفيف فيقتله؛ ولذلك يحجر عليه لئلا تنتقل العدوى من الآخرين إليه، فهكذا هي حال الأمة التي تلتقي بثقافات أخرى وهي فاقدة للمناعة. أما إذا كانت محصّنة فلا يكون ثمّة خطر عليها حينئذ.

العامل الثاني: عملية التضليل أو غسيل الدماغ

وهذا ما قامت به السلطات الحاكمة، فمعاوية ومن سبقه ومن تلاه كوّنوا جهازاً لصنع الثقافة المضللة للأمة.

وقد روي في التأريخ أن أهل الشام ما كانوا يعرفون للنبي صلّى الله عليه وآله قرابة وأهل بيت غير بني أمية!([1][1]) ولذلك أوصى معاوية ولده يزيد بثلاث وصايا؛ إحداها تتعلق بأهل الشام قال له فيها: (أهل الشأم فليكونوا بطانتك وعيبتك، فإن نابك شئ من عدوّك فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشأم إلى بلادهم فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم)([2][2]).

ولغسيل الدماغ طرق كثيرة منها عزل الفرد، والحيلولة دون وصول المعلومات الصحيحة إليه، وهذا ما قام به معاوية بن أبي سفيان وأمثاله.

ومن هنا كان بعض أهل الشام يعتقدون أنّ الإمام أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب سلام الله عليه) كافر، والعياذ بالله! وكان معاوية ينشر بين أهل الشام أنّ عليّاً لا يصلّي!([3][3])

مثال على التضليل الفكري في واقعنا الراهن

واليوم نرى بعض الأفراد يقومون بعمليات انتحارية وهم يستهدفون قتل المسلمين والناس الأبرياء بما فيهم الأطفال والنساء، ويظنّون أنهم يتقرّبون بذلك إلى الله سبحانه! إنه مثال واضح على استخدام أساليب غسيل المخ عبر عزل الأفراد وتزريقهم بأفكار متطرّفة، ومنعهم من الاحتكاك بالآخرين؛ وإلا كيف يمكن لإنسانٍ أن يقوم بعملية انتحارية يقتل فيها نفسه والناس الأبرياء العزّل ظلماً وعدواناً فيخسر آخرته ودنياه إن لم يكن مضللاً تضليلاً مركّزاً.

وما أشبه الليلة بالبارحة! فآباء القوم كانوا يتقرّبون أمس إلى الله بقتل سبط الرسول صلّى الله عليه وآله وسبي أهل بيته ونسائه، ويأسف الأحفاد اليوم على أنهم فاتهم ذلك، فيسرعون إلى توجيه نيران حقدهم إلى مضجعه الشريف ومحبّيه وزواره!!

ب ـ الأزمة الروحية أو الأخلاقية

المشكلة الثانية التي شهدها عهد الإمام زين العابدين سلام الله عليه هي المشكلة الأخلاقية. وواضح منشأ هذه المشكلة، فإنه إذا كان يتربع على قمة الحكم الإسلامي شخص مثل يزيد بن معاوية ومروان بن الحكم، فماذا ستتوقع من القاعدة وما بالك بالمجتمع؟ وإذا كان رب البيت بالدف ناقراً، فماذا ستكون شيمة أهل ذلك البيت؟

لنلاحظ الانحطاط الخلقي عند هذا الحاكم الذي يجلس في مكان رسول الله صلّى الله عليه وآله، والذي يُفترض فيه أن يكون قمّة في الأخلاق والدين لندرك عمق الفاجعة ونعرف طبيعة الأزمة الأخلاقية في عهد الإمام زين العابدين سلام الله عليه؛ ولنفهم معنى قول الإمام الحسين سلام الله عليه لمعاوية: «دَعه - أي يزيد - وما رضي لنفسه»([4][4]) من اللعب بالقرود والفهود ومعاقرة الخمور ودَعِ الأمة وشأنها!

وكان يزيد - فيما أجمع عليه المؤرّخون - ولِعاً بالقرود، فكان له قرد يجعله بين يديه ويكنّيه بأبي قيس، ويسقيه فضل كأسه ، ويقول : هذا شيخ من بني إسرائيل أصابته خطيئة فمُسخ، وكان يحمله على أتان وحشية ويرسله مع الخيل في حلبة السباق، فحمله يوماً فسبق الخيل فسرّ بذلك وجعل يقول:

تمسك أبا قيس بفضل زمامها  * فليس عليها إن سقطت ضمان

وأرسله مرّة في حلبة السباق فطرحته الريح فمات، فحزن عليه حزناً شديداً وأمر بتكفينه ودفنه، كما أمر أهل الشام أن يعزّوه بمصابه الأليم...

وكذلك عملوا، فكانوا يأتون زرافات لتعزيته فيه!!([5][5])  

فإذا كان هذا وضع الحاكم الذي يمثّل الأب والقائد في المجتمع، فكيف سيكون حال غيره؟

إذا كان الأب في البيت مثلاً يشاهد الأفلام الخليعة أمام أولاده، فماذا تتوقع من الأولاد؟ إنّ هذا الواقع الفاسد في القمة خلق انهياراً أخلاقياً مريعاً في القاعدة.. وكان من نتائج ذلك قتل ابن بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وحبيبه.

راجعوا كتاب (الأغاني) وانظروا كيف كان يعيش المجتمع آنذاك؟ إن عنوان الكتاب - ويقع في مجلّدات - هو خير تعبير عن تلك الفترة، فالأغاني جمع غناء وتعني اللهو والعبث والمجون!

ويذكر بعض المؤرّخين أنه ظهرت في تلك الفترة عصابات اختطاف الفتيات، حتى في وضح النهار، وكانوا يتحدّون المجتمع ويقولون للمرأة اصرخي ثلاثاً فإن جاء شخص لنجدتك تركناك وإلا فلا. ولم يكن يجرؤ أحد للوقوف في وجههم وإغاثة المرأة إلا أن تكون وراء المرأة عشيرة قوية مرهوبة الجانب! هكذا كان وضع البصرة في عهد زياد أو ابن زياد.

وكانت هذه لمحة موجزة عن الأزمة الثقافية والأخلاقية التي شهدها عهد الإمام صلوات الله عليه، وننتقل إلى الموضوع الثاني وهو:

أدوار الإمام السجّاد سلام الله عليه

في ظلّ الواقع والأزمات التي أشرنا إلى نموذجين منها، كان الإمام سلام الله عليه أمام عملية تغيير جذرية؛ ذلك أن الفرد قد يتّجه في عملية التغيير إلى البنى الفوقية لتغييرها، إلا أنّها عملية غير ممكنة، ولو فرضنا أنها ممكنة فإنها لا تدوم.

هب أنك جئت إلى مجتمع وأحدثت فيه انقلاباً وغيّرت كل بناه الفوقية، ألا تحتاج إلى أيدٍ وإلى موظفين ووزارات؟! فإذا كانت كل هذه التركيبة فاسدة فكيف ستتمكن أن تعمل في مجتمع كهذا؟

لقد ارتقى معاوية الثاني (وهو معاوية بن يزيد) المنبر وتبرّأ من أبيه وجدّه وقال: إنهما كانا غاصبَين للخلافة وإن الأحقّ بها اليوم عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب سلام الله عليهم!([6][6])

فلنفرض أنّ الإمام السجّاد سلام الله عليه أصبح هو الحاكم، فما الذي يستطيع - حسب المقاييس الظاهرية - أن يعمل وجميع أفراد الجهاز الحاكم فاسدون والمجتمع منهار؟ انّ مجتمعاً يقتل الإمام الحسين سلام الله عليه لهو مجتمع منهار وفاسد فكرياً وأخلاقياً ودينياً وعقائدياً، فكيف تقوده من فوق بل لابد من العمل معه من الأساس؟

لقد قام العباسيون بثورة أطاحوا فيها حكم الأمويين، فما الذي تغيّر إلا الأشخاص؟! لقد حلّ فرد عباسيّ محلّ فرد أمويّ في الحكم، فماذا كانت النتيجة؟ لقد فعل العباسيون مثل ما فعل أسلافهم، بل قال الشاعر:

تالله ما فعلت أمية فيهم         معشار ما فعلت بنو العباس

ولقد كتب أبو سلمة الخلال للإمام الصادق سلام الله عليه وعرض عليه الحكم فرفض([7][7]) لأنه سلام الله عليه لم يشأ تبديل أشخاص مكان أشخاص بل كان يريد تغيير المجتمع.

ومن هنا لجأ الإمام السجاد سلام الله عليه إلى البنى التحتية في المجتمع، ليس مجتمعه الذي كان يعاصره فحسب بل كلّ المجتمعات التي تلته إلى يومنا هذا! إن الإمام السجاد سلام الله عليه لم يغيّر ذلك المجتمع فحسب بل غيّر المجتمعات المتعاقبة إلى هذا اليوم، فماذا فعل الإمام السجّاد سلام الله عليه؟

1 ـ بناء الامة فكرياً

وفي هذا المجال يذكر المؤرخون أنه كانت للإمام السجاد سلام الله عليه حلقة درس في مسجد النبي صلّى الله عليه وآله يلقي فيها كل يوم معارف أهل البيت سلام الله عليهم في الفقه والتفسير والحديث، وكان الجمهور الأعظم من القرّاء (أى حملة القرآن والحديث) تلاميذ الإمام زين العابدين سلام الله عليه. ولا يخفى ما كان للقرّاء من أهمّية في ذلك المجتمع، فكان العمل معهم يعني العمل مع قطاعات واسعة من المجتمع.

يقول سعيد بن المسيب:لم يكن القرّاء يخرجون من مكة ما دام الامام السجاد سلام الله عليه فيها وقال: بقينا مع الإمام السجّاد سلام الله عليه لم نخرج حتى خرج، وكنّا ألف رجل([8][8]).

والرواية التالية تبيّن مظهراً آخر من مظاهر البناء الفكري للأمّة:

جاء شيخ شاميّ ودنا من نساء الحسين عليه السلام وعياله وهم في الأسر فقال: الحمد لله الذى قتلكم وأهلككم وأراح البلاد عن رجالكم، وأمكن أميرالمؤمنين منكم. فقال له على بن الحسين عليه السلام: يا شيخ هل قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: فهل عرفت هذه الآية: (لا أسألكم عليه أجرا إلا المودّة في القربى)؟ قال الشيخ: نعم، قد قرأت ذلك. فقال علي عليه السلام له: فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت  وآت ذا القربى حقّه؟ فقال الشيخ: قد قرأت، فقال عليّ بن الحسين: فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت هذه الآية: واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى؟ قال: نعم، فقال له عليّ عليه السلام: فنحن القربى يا شيخ، فهل قرأت هذه الآية: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً ؟ قال الشيخ: قد قرأت ذلك، فقال عليّ عليه السلام: فنحن أهل البيت الذى خصّنا الله بآية الطهارة ياشيخ.

قال الراوى: فبقى الشيخ ساكتاً نادماً على ما تكلّم به وقال: بالله إنكم هم؟ فقال: عليّ بن الحسين عليهما السلام: تالله إنّا لنحن هم من غير شكّ وحقّ جدّنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فبكى الشيخ ورمى عمامته ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إنا نبرأ إليك من عدوّ آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جنّ وإنس. ثم قال: هل لي توبة؟ فقال له: نعم إن تبت تاب الله عليك وأنت معنا، فقال: أنا تائب. فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمر به فقُتل.([9][9])

2 ـ البناء الأخلاقي للأمة

وفي هذا المجال أيضاً لم يقتصر دور الإمام سلام الله عليه على عصره، بل ما زال دوره فاعلاً إلى الآن بما خلّفه من الآثار الروحية والخلقية مثل دعاء مكارم الأخلاق الذي يمثّل مدرسة أخلاقية للأجيال المتعاقبة.

إن هذا الدعاء العظيم ما زال في حالة بناء أخلاقي للأمة منذ أكثر من ألف عام وسيستمرّ على ذلك إلى انقضاء الدنيا.

وهكذا الحال مع الأدعية التربوية الأخرى مثل دعاء أبي حمزة الثمالي وغيره من الأدعية.

وهذه الآثار ثروة نملكها نحن ولا يملك مثلها الآخرون، وإني أتصوّر أنها لو عُرضت على العالم فإن مجرّد سماعها سيدفع الكثير من الأفراد نحو الاتجاه إلى مذهب أهل البيت سلام الله عليهم ومن تلك الآثار أدعية الصحيفة السجادية الأولى، وأدعية الصحيفة السجادية الجامعة التي طُبعت حديثاً في أكثر من ثمانمئة صفحة وتضمّ مئتين وسبعين دعاءً من أدعية الإمام السجاد سلام الله عليه، ورسالة الحقوق التي تعدّ هي الأخرى مفخرة لنا نحن الشيعة.

لقد طرح الإمام عليه السلام هذه الوثيقة التي تعدد الحقوق الفردية والاجتماعية، من قبيل: حقّ السلطان على الرعية، وحقّ الرعية على السلطان، وحقّ المولى على العبد، وحقّ العبد على المولى، وحقّ الأولاد والآباء والتلاميذ والأساتذة والمربّين و... ، كلّ ذلك في عصر لم يكن فيه معنى لكثير من هذه الحقوق؟!

إن العالم اليوم يتحدّث صباح مساء باسم حقوق الإنسان، وحضارات الغرب بنت إعلامها على التظاهر بالدفاع عن حقوق الإنسان، إلا أنهم لم يبلغوا معشار ما ذكره الإمام السجاد سلام الله عليه الذي طرح هذه الرسالة في عصر كان الحكّام يتعاملون فيه مع الناس على أنهم عبيد لهم يباعون ويشترون!

وعلى كل حال: فإنّ البناء الفكري والثقافي وكذلك الروحي والأخلاقي للإمام السجّاد ولسائر الأئمة المعصومين سلام الله عليهم لم يكن محصوراً بزمن معيّن أو بقعة جغرافية محددة. وهذا هو إحدى الأجوبة على من يستشكل على أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه بأنه لمِ لم يقم بالعمل الكذائي، أو يستشكل على الإمام السجاد سلام الله عليه بأنه لِم لم يقبل الحكم!

لو كان أمير المؤمنين سلام الله عليه يشتري الضمائر بالأموال كما فعل معاوية لما عاد عليّ صلوات الله عليه علياً ولما كنّا نملك اليوم هذا النموذج التاريخي المشرق والبنّاء في صناعة الأمة ثقافياً وفكرياً وروحياً ونفسياً.

كان أحد العلماء يقول: إذا ذهبتَ إلى قرية ولاحظت أن أهلها متديّنون متخلّقون بأخلاق الأنبياء سلام الله عليهم فاعلم أنه كان يقيم بين ظهرانيهم في برهة من الزمن رجل دين متديّن حتماً، لأن رجل الدين المتديّن له إشعاع ولو لم ينطق حتى بكلمة واحدة!

ويضيف العالم: وإذا ذهبتَ إلى قرية وشاهدت أن أفرادها عادّيون فهذا معناه أنهم حُرموا من مثل هذا الرجل المتدين المتخلّق بأخلاق الأنبياء سلام الله عليهم!

 

إننا لو شاهدنا عالماً يحمل مسحة من تلك الأنوار القدسية فإنّنا نتأثّر به، فكيف بمن شاهدوا الإمام السجاد سلام الله عليه؟

إن قضية المربّي مهمة جداً، ويجب أن نبحث عن المربّي في كلّ ميدان، لأنّ الفرد الذي له مربٍّ في الفقه مثلاً ليس كمن لا مربّي له، وهكذا الحال في الخطابة وغيرها؛ فكيف بالأخلاق؟!

نموذج من أخلاق الإمام السجاد سلام الله عليه

(قال رجل من ولد عمار بن ياسر: كان عند علىّ بن الحسين سلام الله عليه قوم، فاستعجل خادماً له، فأخرج شواء من التنور، وأقبل الخادم عجلاً وبيده السفود وبين يدى علىّ سلام الله عليه ولد له صغير، فسقط السفود على الصغير، فنشّ ومات، فبهت الخادم، فنظر إليه عليّ سلام الله عليه وقال: أنت لم تتعمد هذا، أنت حرّ لوجه الله تعالى. ثم أمر بمواراة الولد)!([10][10])

إن التشيع الذي انتشر في شرق الدنيا وغربها انتشر عبر هؤلاء الأفراد الذين قام الإمام السجاد سلام الله عليه ببنائهم وأمثالهم ليس في الظرف الزماني والمكاني المحددين (في المدينة وفي عصره سلام الله عليه) بل على امتداد العهود والدهور والبقاع، ونحن اليوم ينبغي لنا ونحن نعيش هذه التحدّيات الكبرى أن نفكّر في البناء الثقافي والروحي والنفسي للأمّة كما نفكّر في سائر الأبعاد، فإنه عمل باقٍ على امتداد العصور بإذن الله تعالى.

3 . دور الإمام في إبقاء النهضة الحسينية

وكان للإمام السجاد سلام الله عليه دور فاعل ومهمّ جداً في إبقاء نهضة سيد الشهداء الإمام الحسين صلوات الله عليه، وهذا من أكبر أدوار الإمام السجاد سلام الله عليه.

لقد حاولت الحكومة الأموية أن تتملّص من مسؤولية قتل الإمام الحسين سلام الله عليه بالقول إنه خطأ فرديّ ألصقته بأحد أعوانها لتنتهي القضية عند هذا الحدّ.

وهنالك مسألة أخرى عجيبة ذكرها التاريخ وهي أن فئة وُجدت تعتقد أن الإمام الحسين عليه السلام لم يُقتل وإنما رُفع إلى السماء كالمسيح ابن مريم عليهما السلام.

ربما كان هذا التفسير منشؤه عظم الفادحة، وربما كانت القضية  متعمّدة ويراد منها محو قضية الإمام سلام الله عليه من الأذهان.

إحدى الأمور المهمّة التي قام بها الإمام السجاد صلوات الله عليه، أنه أبقى هذه النهضة، ولقد ساهم جميع أئمة أهل البيت سلام الله عليهم بعد الإمام السجّاد سلام الله عليه في إبقاء النهضة الحسينية بكلّ صورة.

وحتى خاتم الإمام السجاد سلام الله عليه نفسه كان في صراط إبقاء قضية الإمام الحسين عليه السلام، فقد كُتب عليه: خزي وشقي قاتل الحسين بن علي.([11][11])

وهذا الإبقاء للنهضة الحسينية قام به الإمام عليه السلام أيضاً عندما قرأ المصيبة لجابر فقال: (ياجابر ههنا والله قُتل رجالنا).

وهناك أمثلة كثيرة على هذا الموضوع مثل قضية الجزار الذي سأله الإمام عليه السلام إن كان قد سقى الجزور ماءً، ورواية أنه لم يوضع أمام الإمام عليه السلام طعام أو شراب إلا ومزجه بدموع عينيه، فهذه كلّها من مفردات قضية "الإبقاء"، وفي الجانب المعاكس نجد أعداء أهل البيت الذين حاولوا - ولازالوا يحاولون - محو هذه القضية عبر أساليب شتى ومنها التخويف والإرهاب، وربما كانت هذه الانفجارات الأخيرة في المناطق المقدسة تصبّ في هذا الهدف، فهم ينوون تخويف الزوار حتى لا يأتوا للزيارة، ناسين أن شيعة أهل البيت عليهم السلام أثبتوا أنهم لا يتركون خطّهم لمحاولات التخويف والإرهاب.

وقد كان هذا هو ديدن الحكام الظالمين، فإنّهم عندما يصلون إلى الحكم يتعرّضون قبل كلّ شيء لقضية الإمام الحسين سلام الله عليه. فالبهلوي الذي كان عميلاً استعمارياً أول عمل عمله ضدّ الإسلام أنه بدأ بمحاربة الإمام الحسين سلام الله عليه وشعائره، فمنع التطبير أوّلاً بحجة أنه عمل وحشيّ لا ينسجم مع قيم التمدّن والحضارة، وفي خطوة لاحقة منع مواكب التمثيل (التشبيه)، إلى أن آل به الأمر إلى منع مجالس العزاء حتى في يوم عاشوراء، بل كان يشجّع على إقامة احتفالات الفرح فيه. بعد ذلك انتقل إلى التعرّض لفروع الدين فمنع الحجاب للنساء والعمامة للرجال، وأمر بلبس القبعات الافرنجية، وبدّل قوانين الأحوال الشخصية... ولكن البداية كانت قضية الإمام الحسين سلام الله عليه.

الانطلاق من قضية الإمام الحسين عليه السلام

ونحن بدورنا إذا أردنا أن نعمل للدين فعلينا أن نبدأ بقضية الإمام الحسين سلام الله عليه. إن البداية هي قضية الإمام الحسين سلام الله عليه سلباً أو إيجاباً، لأن إحياء قضية الإمام الحسين سلام الله عليه إحياء للقيم كلها وإماتتها إماتة للقيم كلها.

علينا أن نحاول بكلّ وسيلة أن نحيي قضية الإمام الحسين سلام الله عليه، فمن يمكنه الذهاب لزيارة الإمام في مناسبة الأربعين فليذهب، ومن لا يتمكن ليحثّ القادرين على الذهاب بلسانه وماله. وهكذا بالنسبة إلى سائر الأعمال فإن المطلوب منّا جميعاً أن نبذل ما بوسعنا، وأذكر لكم النموذج التالي لنعرف أن كلّ فرد يستطيع أن يقدّم خدمة ما في هذا الطريق.

في منطقة تقع شمال إحدى البلاد الغربية حلّ رجل هندي قبل 45 عاماً تقريباً وجاءتْ أيام عاشوراء ففكّر فيما يمكن عمله وهو في مثل هذه الأجواء البعيدة عن الدين تماماً، فقرّر أن يقيم في بيته مأتماً للإمام الحسين سلام الله عليه، ولكن من أين يأتي بالمستمعين؟ لم يجد بدّاً من دعوة الهنود السيك الذين كانوا في تلك المنطقة إلى مجلسه وصار يقرأ عليهم بنفسه مصيبة الإمام الحسين سلام الله عليه (مع أنه لم يكن خطيباً).

بعد مرور عامين جاء رجل هندي آخر إلى نفس المنطقة، واقتربت أيام عاشوراء فقرّر أن يقيم مجلساً لأبي عبد الله الحسين سلام الله عليه وأخذ يقلّب دفتر أرقام الهواتف في تلك المنطقة لعلّه يجد من يعرفه فيدعوه، فوقعتْ عيناه على اسمٍ فيه شبه بالأسماء الشيعية، فاتّصل به ليدعوه، فقال له: يوجد في بيتي مأتم فتعال واشترك معنا. يقول الهندي الثاني: ذهبت إلى بيته - أي الهندي الأول - فرأيته جالساً يقرأ في كتاب وحوله مجموعة من الكفار السيك يلطمون!

قبل خمس سنوات من الآن أي بعد مرور أربعين سنة تقريباً على ذلك المأتم قال لي ناقل القصة:

الآن يوجد في المنطقة نفسها خمس عشرة حسينية يقيم فيها المسلمون العزاء على الإمام الحسين سلام الله عليه.

إذن يتمكّن المرء أن يعمل في كلّ الظروف وفي أيّ محيط وسيثمر عمله يوماً ما بإذن الله تعالى، وينبغي أن نعلم أننا مهما قدّمنا للإمام الحسين سلام الله عليه فهو قليل، فعلينا أن نحاول إحياء قضية سيد الشهداء صلوات الله عليه بكلّ صورة لأن في إحيائها إحياء الدين كلّه والقيم جميعها.

نسأل الله أن يوفّقنا لذلك، وصلّى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.


·  ألقيت هذه المحاضرة في 25 محرم الحرام من عام 1425هـ ، على جمع من طلاّب العلوم الدينية في مدينة (قم المقدّسة).

(1) انظر: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج7 ص159.

(2) تاريخ الطبري، مؤسسة الأعلمي، بيروت – لبنان، ج 4، ص 239.

(1) الفتوح لابن أعثم، ج 3 ص196.

(1) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي عليه السلام لابن الدمشقيّ ج1 ص308.

(1) جواهر المطالب في مناقب الامام علي بن أبي طالب،  ص 43.

(1) يقول اليعقوبي في تاريخه: ثم ملك معاوية بن يزيد بن معاوية أربعين يوماً، وقيل: بل أربعة أشهر، وكان له مذهب جميل، فخطب الناس، فقال: أما بعد حمد الله والثناء عليه، أيها الناس فإنا بلينا بكم وبليتم بنا، فما نجهل كراهتكم لنا وطعنكم علينا، ألا وإن جدي معاوية ابن أبي سفيان نازع الأمر من كان أولى به منه في القرابة برسول الله، وأحقّ في الإسلام، سابق المسلمين، وأول المؤمنين، وابن عم رسول رب العالمين ... فركب منكم ما تعلمون، وركبتم منه ما لا تنكرون، حتى أتته منيّته وصار رهناً بعمله، ثم قلّد أبي وكان غير خليق للخير، فركب هواه، واستحسن خطأه، وعظم رجاؤه، فأخلفه الأمل، وقصر عنه الأجل، فقلّت منعته، وانقطعت مدّته، وصار في حفرته رهناً بذنبه، وأسيراً بجرمه. ثم بكى، وقال : إن أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه وقبح منقلبه، وقد قتل عترة الرسول، وأباح الحرمة، وحرق الكعبة، وما أنا المتقلّد أموركم، ولا المتحمّل تبعاتكم، فشأنكم أمركم، فوالله لئن كانت الدنيا مغنماً لقد نلنا منها حظاً، وإن تكن شراً فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها. (تاريخ اليعقوبي ج 2   ص 254). وراجع: جامع النورين ص316، وتتمّة المنتهى ص48، وبحار الأنوار، ج46، ص118.

(1) راجع مروج الذهب ج3 ص253.

(1) مناقب آل أبي طالب، 3 / 279.

(1) اللهوف في قتلى الطفوف للسيد ابن طاووس الحسني  ص 102.

(1) العدد القوية، علي بن يوسف الحلي  ص 319.

(1) فروع الكافي: ج2 ص474، أعيان الشيعة ج1 ص629.