التبعية الثقافية




بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين[1].

قبل الحديث عن التبعية الثقافية، لابدّ أوّلاً من الحديث عن مشكلة التبعية بشكل عام، كما أن من الضروري التحدث عن سبل مكافحتها; ومن ثم فإنّ موضوعنا سيدور حول ثلاثة محاور هي:

l مشكلة التبعية بشكل عام.

l التبعية الثقافية وأخطارها.

l كيف نواجه التبعية الثقافية؟

 

1. مشكلة التبعية بشكل عام

إحدى المخاطر الكبيرة التي تواجه المجتمعات والأمم هي مشكلة تبعية الأمم الضعيفة للأمم القوية، وهذه المشكلة لا تتوقف ـ عادة ـ عند حدّ معيّن، فهي تستمر في كثير من الأحيان حتى تصل إلى مرحلة الذوبان الكلي للأمّة الضعيفة في الأمّة القوية، حيث تُمحى هوية الأمّة الضعيفة وكيانها بشكل كامل.

قد تبدأ تبعية أمّة ما في المجال الاقتصادي، ولكن لا تتوقّف عند هذا الحد، يقول الله في معرض تحذيره للمسلمين من التبعية لليهود والنصارى: (وَ لَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَ لاَ النَّصَـرَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)[2]، أى إنّ هؤلاء لا يقنعون منكم بأن تكونوا تابعين لهم من الناحية الاقتصادية، ولا أن تدوروا في فلكهم من الناحية السياسية، ولا أن تكونوا مقلّدين لهم في الظواهر الاجتماعية فقط، بل لا يكتفون منكم إلاّ بالذوبان الكامل والتحوّل التام إلى دينهم وملّتهم.

ولم يقل الله تعالى: «ولا ترضى» بل قال: (وَ لَن تَرْضَى) و«لن» كما هو المعروف في اللغة العربية تفيد تأبيد النفي، أي أن هذه حالهم أبداً، فلا تتصوروا أنهم ربما يتغيّرون في المستقبل ويكتفون بالقليل! ومعنى هذا أنّ اليهودي والمسيحي لا يكفيه أن تكون صديقاً له بل لا يقبل منك إلاّ أن تتحوّل عن دينك وتكون يهودياً أو نصرانياً مثله، أما العلاقات الظاهرية والمجاملات وما أشبه فلن تقنعهم أبداً.

ويقول تعالى في آية أخرى: (حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَـعُوا)[3]، فالهدف النهائي لهم هو أن نتخلى عن ديننا ومبادئنا وقيمنا.

قضية التنباك والعهد البهلوي في إيران مثالاً

من الأحداث التاريخية المهمة في إيران القضية المعروفة بقضية التنباك أو التبغ، وقد كان الهدف الظاهري للمستعمرين الهيمنة على اقتصاد إيران من خلال شركة التبغ، ولكن الهدف الذي كانوا يخططون له كان أبعد من ذلك، وكان موضوع احتكار التبغ الإيراني مجرد طريق وبداية، ولو أنهم أرادوا احتكار التبغ فقط لكفاهم ألف ممثل لهم على مستوى إيران مثلاً، ولكنهم جاءوا بأربعمئة ألف فرد إلى إيران ـ كما ذكر في بعض الكتب ـ وهذا في الواقع جيش احتلال كامل! أما الهدف الحقيقي فقد كان القضاء على الهوية الإسلامية للشعب الإيراني، والدليل على ذلك أنّهم عندما سيطروا بعد ذلك حاولوا تحطيم الدين في إيران، ولم يرتضوا حتى بوجود عباءة واحدة على رأس امرأة في إيران، وحظروا إقامة المآتم الحسينية، وذلك في عهد البهلوي الأوّل الذي كان عميلاً من عملائهم. وهذا معنى قوله تعالى: (حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَـعُوا)، فالأمر رهين باستطاعتهم.

وقد نقل بعض من عاصر تلك الحقبة أنّهم كانوا يخافون حتى من إظهار البكاء في أيام عاشوراء فكانوا يذهبون إلى المقابر ويجتمعون هناك للبكاء على الإمام الحسين(عليه السلام) متظاهرين أنهم إنما يبكون موتاهم، كي لا يلحقهم الضرر!

ونقل لي أحد الشيوخ أنّ والدته لم تغادر بيتها طيلة تلك المدة خشية أن يتعرض لها الشرطة الذين يتربصون بالمحجبات لخلع حجابهن.

كما نقل أحد الذين عايشوا تلك الظروف قال:

كنّا جماعة مجتمعين في غرفة في ظل احتياط أمنى شديد نبكي على مصاب الحسين(عليه السلام) وإذا بشرطي يداهم المنزل، فلم ندرِ ما نفعل؟ وبماذا نبرّر له وجودنا وجلوسنا هنا؟ فألهمنا الله تعالى فوراً طريقة الخلاص حيث تمدد أحدنا وسط الغرفة وألقينا عليه غطاءً، وعندما سألَنا الشرطي عن سر اجتماعنا وبكائنا، أشرنا إلى الشخص  المسجى وسط الغرفة، فاقتنع وعاد.

فانظر إلى أيّ مدى بلغ فرض التبعية على الناس بحيث منعوهم حتى من البكاء على إمامهم(عليه السلام) في يوم مصابه.

لماذا لم يفعلوا هذه الفظائع في ثورة التنباك؟ لأنّهم لم يستطيعوا، وعندما استطاعوا ذلك في عهد البهلوي الأوّل، لم يترددوا أبداً، وهذه الحقيقة كشف عنها القرآن الكريم بقوله تعالى: (حتّى يردّوكم عن دينِكم إن استطاعوا). فهذه حقيقة من الحقائق التاريخية يدلّ عليها استخدام كلمة (لن) التي تفيد النفى المؤبد ـ كما ذكرنا ذلك سابقاً ـ .

إذن، التبعية تبدأ من نقطة، قد تكون اقتصادية أو سياسية ولكنّها لا تتوقّف عادة حتى مرحلة الذوبان الكلي، كما حصل في أسبانيا التي ازدهرت فيها الحضارة الإسلامية عدة قرون، ولكن الأعداء دمّروا فيها الإسلام تدميراً كاملاً حتى لم يعد لتلك الحضارة أي أثر، وهذا هو هدفهم، ومَن يتصوّر أنّ الأمر يتوقّف عند حدود التبعية الاقتصادية أو التبعية السياسية فهو واهم.

2. التبعية الثقافية

التبعية أنواع، فهناك التبعية الاقتصادية، والتبعية السياسية، والتبعية الاجتماعية، وهناك التبعية الثقافية، وهي أخطر أنواع التبعية، لأنّها تنبع من الداخل، فإنّ التبعية المفروضة من الخارج أمدها قصير في العادة، في حين أنّ التبعية إذا نبعت من الداخل وتحوّل الفرد إلى مستعبَد بمحض إرادته، فهذه العبودية ستكون طويلة وربما أبدية.

وقد نُقل أنّ مجموعة من العبيد الذين حرّرهم أحد الحكام خرجوا في تظاهرات رافضين التحرير ومطالبين بإبقائهم عبيداً! حيث أنّهم أُشربوا في قلوبهم العبودية والتبعية للأسياد، وإذا كان الشيء نابعاً من الداخل صعُب علاجه، وهذه هي التبعية التي يعمل المستعمرون على غرسها في صفوف المسلمين.

نذكر شاهدين على ذلك:

الشاهد الأوّل من العراق: فلقد واجه البريطانيون فيها مقاومة عنيفة، فواجهوا قوة الدين، وكان ثقيلاً عليهم وهم الإمبراطورية العظمى والوحيدة ـ كما يقولون ـ أن يُهزموا في العراق أمام مجموعة من الحفاة. وهناك تحليل يقول: إنّ الدول العظمى يهمّها اعتبارها وسمعتها أكثر من أيّ شىء آخر، وكثير من المواقف يتّخذونها من أجل ذلك، وهذا ما خسرته بريطانيا المسمّاة بالعظمى في العراق!

تقول الجاسوسة البريطانية في العراق في مذكراتها «مذكرات مس بيل»: «ففكرنا بطريقة لمواجهة الحالة، وانتهينا إلى ضرورة فصل المجتمع عن علماء الدين ومراجع التقليد»، ولكن كيف؟ تقول: «عن طريق إنشاء المدارس الحديثة»!

وكانوا يوفدون أولاد رؤساء العشائر والشخصيات المهمة إلى اسطنبول بذريعة الإعداد العسكري وتلقي التدريبات، ويقومون ثمة بشحن عقولهم بما يشاءون.

وهكذا كانوا يقومون بإعداد أفراد من داخل المجتمع العراقي لا يفكّرون إلاّ بالطريقة الغربية وبما يخدم مصالح الحكومات الأجنبية.

وإذا راجعتم تاريخ العراق في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين لرأيتم أنّ كثيراً من النوّاب والوزراء المهمّين وقادة الجيش وأغلب الشخصيات السياسية البارزة كانوا خرّيجي هذه المدرسة، فتصوّر كيف سيكون وضع البلد الذي يحكمه أفراد من أبنائه تحكمهم عقلية الحكومات الغربية!

الشاهد الثاني من إيران: لقد كتب أحد السفراء الغربيين تقريراً حول الأوضاع في إيران يقول فيه:

إنّ  مشكلتنا في إيران تتلخّص في الملالي والبازار (أي رجال الدين والسوق)، فأيّ قانون نضعه إذا رآه الملاّ مخالفاً للدين يحرّك السوق، والسوق يضغط بدوره على الحكومة، وبالتالي لا نتمكن من تطبيق ذلك القانون.

يقول: والحل في ذلك أن نضعف التجار[4] وأن نضعف نفوذ رجال الدين عن طريق إنشاء المدارس الحديثة.

من مظاهر التبعية الثقافية في بلاد المسلمين: حدّث  السيد الوالد(رحمه الله) ـ ما مضمونه ـ:

أنّه كان وزير للمعارف في العراق يقال له خليل كنة، وقد تبوّأ هذا المنصب في خمس دورات متعاقبة.

يقول الوالد:

ذهبنا إليه، فرحّب بنا، فبدأنا الكلام بذكر حديث شريف عن النبي(صلى الله عليه وآله)يقول فيه: «صنفان من أمّتي إذا صلحا صلحت أمّتي وإذا فسدا فسدت أمّتي: الأمراء والعلماء»[5] وقلنا له: أنت من الأمراء.

فقال: الأمراء ـ وأنا منهم ـ أكثرهم غير صالحين، ثم سألَنا عما أتى بنا وقال: ماذا تريدون؟

قلنا: نريد أن نتحدّث معك حول مناهج التعليم.

قال: تفضلوا.

قلنا: المناهج الموجودة لا تدرّس مادة الدين بشكل كامل، إذ إن الدين لا ينحصر في العبادات كالصلاة والصيام.

قال: ماذا تريدون مثلاً؟

قلنا: إن الجانب السياسي في الإسلام مهمل تماماً في المناهج الدراسية، وهكذا الجانب الاقتصادي والجانب الاجتماعي والجانب العقائدي مثل نظرة الدين إلى الكون والحياة فهذه الأمور كلها يجب أن تدرج ضمن المناهج الدراسية.

يقول الوالد: وهنا ضحك الوزير وقال: إنّني مع كوني وزيراً للمعارف، لا أعرف عن هذه الجوانب شيئاً!

وهذه هي المشكلة، فإذا كان وزير المعارف لا يعرف شيئاً عن هذه الأمور، فمن الطبيعي أن يدرّس الاقتصاد الغربي والسياسة الغربية وعلم الاجتماع الغربي وعلم النفس الغربي و... في المدارس وعندما يكبر الطالب تكون عقليته غربية ومنطلقاته في الحياة غربية، ولذلك يقود البلاد نحو الغرب.

 

3. وسائل مكافحة التبعية الثقافية

وهي متعددة نذكر منها:

أ ـ إنشاء المعاهد التعليمية ابتداءً من الابتدائية وانتهاءً إلى الجامعة.

وهذا الأمر ممكن وعملي ونافع حتى لو فكّرنا فيه بلحاظ معادلات الربح والخسارة.

والذين ذهبوا إلى الغرب واجهوا هذه المشكلة، لكنّا نحن ـ مع الأسف ـ قليلو الانتباه لهذه النقطة المهمة، إننا نحتاج  إلى مزيد من المعاهد الإسلامية في بلاد الغرب، بل في بلادنا، يحتاج العراق اليوم إلى معاهد تعليمية موجَّهة، أفلا نتمكن من القيام بدور ولو محدود في هذا المجال؟

وقبل ذلك ألا نستطيع إنشاء دورات تعليمية في العطلة الصيفية؟ وهل نعلم تأثيرها الكبير؟

لقد بدأ الوالد(رحمه الله) أوّل حلوله في الكويت بإنشاء دورات في العطل، وكثير من المتديّنين الذين نعرفهم اليوم هم خرّيجو تلك الدورات.

نقل لي أحد الإخوة هذه القضية ـ وهي في الواقع قضية مؤلمة جداً ـ أنقلها لكم لتعرفوا حجم الخطر، قال:

إن إحدى العوائل المتديّنة العريقة التي هاجرت إلى الغرب أرسلت ابنتها إلى المدرسة لتكمل دراستها، وماذا يمكن للمرء أن يفعل هناك؟ إما أن يرسل أولاده إلى المعاهد الغربية الكافرة، أو المعاهد الوهابية المنحرفة، أو يتركهم في البيت ويعنى هو بتعليمهم.

وفي يوم من الأيام طُرق الباب، فخرج الأب يتطلع مَن الطارق؟ وإذا بشخص زنجي ضخم واقف على الباب، سأل من الرجل: ماذا تريد؟ أجابه أنا صديق ابنتك، أريد لقاءها! فارت في عروق الرجل دماء الحمية والغيرة، وصفع الرجل الزنجي، فذهب إلى سبيله.

وبعد دقائق طُرق الباب ثانية وإذا بالرجل الأسود ومعه شرطي، قال الشرطي لصاحب الدار: إن عقوبتك السجن لصفعك هذا الرجل، ولكنه عفا عنك، وأمامك الآن أحد طريقين، فإما أن نأخذ منك ابنتك وندعها ترافق هذا الرجل، وإما أن تسمح له بأن يدخل بيتك لملاقاة بنتك.

فكّر الرجل قليلاً ورأى أنّ السماح للزنجي بالدخول أهون الشرين، وعندما دخل الزنجي جاء الأب وجلس بين يديه وتوسّل إليه أن يشهد الشهادتين، فتلفّظ بهما الزنجي على مضض، فعقد له الرجل على ابنته لتحلّ له.

وهذا نموذج لما يحدث لبعض العوائل في بلاد الغرب، ولا نحتاج إلى أن نذهب إلى بلاد الغرب، فإنّهم بدأوا يصدّرون هذه الظواهر إلينا، فمن الظواهر المعقّدة في هذا البلد مثلاً (يعنى إيران) ظاهرة هروب الصبايا من منازل آبائهن!

نعود إلى موضوع إنشاء المعاهد، وأذكّركم بتجربة مدارس حفاظ وحافظات  القرآن الكريم في كربلاء المقدسة، حيث كان يدرس فيها زهاء ثلاثة آلاف طالب وطالبة يتلقّون فيها العلوم الدينية إلى جانب العلوم الأكاديمية، فكانوا يتلقّون علوم القرآن والفقه والتاريخ إلى جانب علوم الكيمياء والفيزياء واللغة. ولقد ظهرت نتائج تلك التجربة، فقد انتشر هؤلاء في شرق الدنيا وغربها حاملين لواء الإمام الحسين(عليه السلام)ومشعله في ظلام الكفر الدامس.

ب ـ اجعلوا بيوتكم قبلة:

نقل لي أحد الإخوة أن مجموعة من المؤمنين الذين يعيشون في بلاد الغرب رأوا أولادهم وبناتهم على خطر عظيم، فأينما يذهبون يواجههم خطر الانحراف، لأنّ ثقافة العري منتشرة في كل مكان، سواء على البحر أو في المسابح أو أجهزة المذياع والتلفاز والكمبيوتر والفضائيات والصحف، فالفرد ينظر إلى الانحراف ويسمع الانحراف ويحيط به الانحراف من كل مكان، ففكّر هؤلاء أن يصنعوا مجمّعات ويوفّروا لأبنائهم وبناتهم وسائل الترفيه والراحة فيها، بدلاً من أن يتبعثروا ويذوبوا في المجتمع الغربى.

يرى البعض أنّ هذا هو المقصود من قوله تعالى: (وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً)[6]، أى لا تتوزّعوا وتتبعثروا وتتشتّتوا في المجتمع المنحرف فتذوبوا فيه، بل لتكن بيوتكم بعضها بجوار بعض ومقابل بعض. يقول الناقل:

وقد فكر هؤلاء أنّهم لا يمكن لهم أن يمنعوا أولادهم من الذهاب إلى المسابح الغربية ففكروا في إنشاء مسابح خاصة بهم، وبالفعل فقد أنشأوا مسبحاً كلّفهم ثلاثة ملايين ونصف مليون بوند.

إذن الأمر الأوّل الذي نحتاج إليه في مواجهة التبعية الثقافية والذوبان الثقافي هو بناء المعاهد العلمية الموجّهة، فلنبدأ بذلك، ولو على مستوى الدورات الصيفية، فإنّها مؤثّرة جداً.

ج ـ تقديم البدائل الفكرية:

لا يكفي للمهتم بشؤون المجتمع أن يقول إنّ أمراً ما هو خاطئ، بل عليه تقديم البديل الصحيح أيضاً، ونحن عندما نقول مثلاً إنّ السياسة الموجودة غير صحيحة، فالمطلوب منّا تبيين السياسة الصحيحة، وهكذا في فروع الحياة الأخرى كالاقتصاد والتربية والعلوم الإنسانية تدرّس في الجامعات الحديثة، وهذا الأمر بحاجة إلى تخصّص واجتهاد.

لقد ربّى الإمام الصادق(عليه السلام) مجموعة من التلاميذ، وكان كلّ منهم متخصّصاً في مجال، فإذا كان السائل يبحث عن مسألة في علم الكلام قيل له: عليك بهشام بن الحكم، وهكذا في سائر الفنون.

إنّ تقديم البدائل يتطلّب منّا تخصّصاً ومعرفة بالمباني والمناهج ويحتاج إلى اطّلاع على الصغريات الخارجية، لأنّ بيان الحكم كما يحتاج إلى معرفة الكبريات الكلية يحتاج إلى معرفة الصغريات الخارجية أيضاً، كما لابد أن يتفرّغ كلٌّ منّا لأحد الفروع والمجالات، كالسياسة والاقتصاد والاجتماع، فعلم الاجتماع مثلاً مليء بالنظريات الإلحادية، فلابد من أن نعرض إزاءها نظريات إسلامية.

د ـ الاهتمام بالأدب والفن:

كان البعض يُشكل على تسمية نهج البلاغة من قِبل الشريف الرضي(رحمه الله)ويقول كان ينبغي له أن يسمّيه نهج الحياة، ولكن هذا الإشكال غير وارد، وذلك لما للأدب من دور ريادي في الحياة; ولقد اختار الشريف الرضي(رحمه الله)النصوص التي تشكّل القمّة في البلاغة من كلام الإمام(عليه السلام)، وكلماته(عليه السلام) وإن كانت نهج الحياة، ولكن جميعها ليست بالضرورة قمماً في البلاغة، فإنّ الأئمة(عليهم السلام)كانوا يكلّمون الناس على قدر عقولهم، فكانوا يضطرّون أحياناً للتكلّم بلغتهم، أما ما جمعه الشريف الرضي(رحمه الله) في هذا الكتاب فهي القمم من الناحية البلاغية والتعبيرية من كلمات الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولقد كان ذلك من أسباب نفوذ كتاب نهج البلاغة وانتشاره.

فالأدب مهم والفن مهم، ولقد غفلنا نحن كثيراً عن هذا الجانب، في حين إنّ له تأثيراً كبيراً في صوغ عقليات الناس بصورة مباشرة وغير مباشرة.

هل تعلمون ـ على سبيل المثال ـ مدى تأثير أفلام الكارتون في عقول الأطفال؟ وهل تعلمون أنّ كثيراً من هذه الأفلام تحمل إلى أطفالنا  قيم الحضارة الغربية؟ إنّ لكل حضارة قيماً، وإنّ الأفلام المنتجة في الغرب تعبّر عادة عن تلك القيم، وهي تنتقل إلى أولادنا الصغار حتى ذوي الخمسة أعوام أو أقل، وينشأ أولادنا على تلك القيم من حيث لا نعلم.

وقد صدر قبل فترة كتاب في الغرب ألّفته امرأة غربية، قالوا إنّه بيع منه في اليومين الأوّلين من نشره فقط ثمانية ملايين وستمئة ألف نسخة، أي بما معدّله أربعة ملايين وثلاثمئة ألف نسخة في اليوم، ونُشر تقرير يقول: إنّ المكتبات تعمل ليل نهار بسبب وجود طوابير من الناس منتظرة لاقتناء نسخة من الكتاب!

يقول أحد الإخوة المؤمنين:

حصلت على فلم معدّ عن الصدّيقة الزهراء سلام الله عليها أنتجه حديثاً بعض الشباب المؤمنين، فرأيت أنه من الأفضل أن أقدّمه لابني الذي يبلغ من العمر حوالي ستة أعوام. وفي أحد الأيام دخلت غرفته فرأيته يشاهد الفلم ودموعه تنهمر كالمطر.

وهذا  يدلّ على تأثير الفن في النفوس، فهذا الطفل الصغير ذو الستة أعوام تأثّر بالفلم على حدود فهمه وغرق في البكاء!

تصوّروا إذاً ما عمله الغربيون بالعالَم عن طريق الأفلام والقصص والروايات والكتب!

بالهمة والتوكل على الله يصبح العطاء ثرّاً

لا يقولنّ أحد إنا لا نتمكّن، فإننا قادرون بإذن الله تعالى على التقدّم في هذه المجالات إذا شمّرنا عن سواعد الجدّ وتوكّلنا على الله وتفرّغ بعضنا للتخصّص فيها.

أنقل فيما يلى هذا المطلب عن السيد العم حفظه الله، قال:

إنّ أمّهات الكتب الفقهية الشيعية المؤلّفة من عهد الشيخ المفيد(رحمه الله) إلى يومنا هذا، حتى الرسائل العملية، إنما تبتني على مجموعة من روايات أهل البيت(عليهم السلام)، فإنّ عمدة الدليل في الفقه هو الدليل الثاني أي الأخبار والروايات، صحيح أنّ القرآن الكريم يقع في الرتبة الأولى ولكنّه يُجمل الحديث في كثير من الموارد، أما الروايات فهي تمتاز بالكثرة والتنوّع وبيان التفاصيل.

وهذه الروايات نقلها لنا مجموعة من الثقات أمثال زرارة بن أعين وأكثر من عشرة من إخوانه وأخت واحدة لهم.

أنا أخمّن أنّ خمس فقهنا تقريباً يبتني على هؤلاء!

ولكن هل تعلمون مَن الذي كان سبباً في هداية هذه المجموعة؟ إنّه رجل أفغاني يقال له أبو خالد الكابلي، فهو رأس الخيط في استقطاب هؤلاء إلى الإيمان، بينما لم يكونوا مؤمنين من قبل.

انظروا كيف استطاع شاب واحد أفغاني أن يترك أثراً عظيماً وامتداداً تاريخياً يعود لأكثر من ألف عام وقد يستمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

إذن لا يقل أحد منّا أنا لا أقدر، فقد يحتجّ الله تعالى علينا يوم القيامة بأبي خالد الكابلي، ولعلّ بينكم مَن هو أكثر قدرة منه!

إذن المطلوب منا أن نبدأ بملء هذه الفراغات بالتوكل على الله تعالى والاستمداد منه والاستعانة بأوليائه الطاهرين، نسأله سبحانه أن يوفّقنا لذلك.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين


[1]. تقرير المحاضرة الأسبوعية العامة التي ألقيت في 16 جمادى الأخرى عام 1424 هـ.

[2]. البقرة / 120.

[3]. البقرة / 217.

[4]. من الخطط الاستعمارية إضعاف التجّار المسلمين لأن للتجار دوراً مهماً جداً في الحياة.

[5]. إرشاد القلوب، ج1، ص70.

[6]. يونس / 87.