الشعائر الفاطمية




   بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.·

قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ﴿ومن يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾[1]

مقدمة

قبل الحديث عن الشعائر الفاطمية ومسؤوليتنا إزاءها، نتحدث أولاً عن الشعائر الدينية عموماً، وعن الشعائر الإيمانية خصوصاً، فكلّ هذه الأنواع الثلاثة من الشعائر (الشعائر الدينية بشكل عام، والشعائر الإيمانية بشكل خاص، والشعائر الفاطمية بشكل أخصّ) تنضوي تحت جامع مشترك وهو عنوان «شعائر الله» لأن أي شعيرة لها نوع إضافة الى الله سبحانه فهي من شعائر الله سبحانه.

(1) الشعائر الدينية: مفهومها وأدوارها

أ . مفهوم الشعائر الدينية

الشعائر جمع شعيرة والشعيرة هي العلامة الحسية التي تقود الإنسان نحو صاحب الشعيرة، فالشعائر الدينية كما يبدو عبارة عن العلامات الحسية التي تقود الإنسان الى الله سبحانه وتعالى.

ووجود العلامات الحسية قضية مهمة جداً، وقد تنبع أهميتها من النـزعة الحسية الموجودة لدى الإنسان؛ فإن الإنسان لا تحرّكه الأشياء التجريدية بقدر ما تحركه الأشياء المحسوسة، وربما لهذا السبب كان الأنبياء الإلهيون بشراً ولم يكونوا ملائكة؛ قال تعالى: ﴿ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً﴾[2] أي في قالب حسّي بشري، ولعله من هذا المنطلق أيضاً كانت العبادات أموراً حسية مع أن جوهرها أمر معنوي وهو النيـة، فالصلاة مثلاً لها قالب حسي هو القيام والركوع والسجود، ولعله لهذا السبب أيضاً كانت الشعائر الدينية علامات حسية.

ب دور الشعائر الدينية

للشعائر أدوار كثيرة ومن أهمها: دورا الحماية والهداية، فالشعائر من أعظم الوسائل لهداية الآخرين، وبالشعائر يمكن أن نحفظ الفرد والأمّـة من خطر الذوبان والانصهار في الثقافات الأخرى، ومن هنا تلاحظون اليوم حملة شديدة في الغرب على شعائرنا الدينية (ولعل من يقود ويخطّط لهذه الحملة هي اليهودية العالمية) وخير مثال على ذلك ما نشهده اليوم من هجمة على الحجاب؛ بهدف تذويب المرأة المسلمة في المجتمع الغربي، فالحجاب كشعيرة هو الذي يحفظ إيمان المرأة المسلمة ويصونها من الذوبان في الأفكار المضادّة، كما المسجد والحسينية والأذان وصلاة الجماعة والشعائر الحسينية.. فهذه كلّها من الشعائر الدينية التي تحفظ إيمان المسلم وتقـيه من الانصهار أو التصدّع الإيماني.

ومن هنا أيضاً حارب حزب البعث في العراق المساجد والحسينيات والحوزات الدينية ورجال الدين، كما حارب البهلوي الأول في إيران الحجاب بشدّة وكان يصرّ على أن لا تكون هناك (في إيران) محجبة واحدة، وقد نقل أنه حوّل المدرسة الفيضية (وهي واحدة من أكبر المدارس الدينية في قم) إلى مخزن للبضائع بعد أن أخليت - أو كادت - من طلاّبها.

إذن ما دامت الشعائر الدينية موجودة فهذا معناه وجود الحماية للدين، وإذا ما استطاع نظام أن يقضي عليها فهذا هو بداية الطريق للقضاء على الدين. وقد أفتى الفقهاء بوجوب الهجرة من البلد الذي لا يمكن إقامة شعائر الدين فيه، مع أن الهجرة من أشقّ الأعمال على الإنسان، حتى قيل إن الهجرة أخت الشهادة، لأن الشهادة تنهي الحياة المستقبلية (الدنيوية) للإنسان أما الهجرة فتضع حداً لحياة الإنسان الماضية والعلاقات التي أنشأها طيلة عقود ويكون عليه أن يبدأ حياته الجديدة من الصفر.

(2 و 3) الشعائر الإيمانية والشعائر الفاطمية

نفس الدور الذي تنهض به الشعائر الدينية لحفظ الدين -في بعد الحماية والهداية - تنهض به الشعائر الإيمانية لحفظ الإيمان.

هذا ولا يخفى أن الإيمان مركّب من سلب وإيجاب أي نفي واثبات، ومن الشعائر الإيمانية ما يحتوي على بعد الإثبات فقط ومنها ما يحتوي على البعدين معاً.

والشعائر الفاطمية من الشعائر الإيمانية التي تعنى بالبعدين (التبرّي والتولّي) بكل قوّة وبشكل واضح وصريح ومباشر.

إن قضية سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) قضية مهمّة جداً، وهي تحتوي على البعدين، وتدين الخلافة الأموية بشكل مباشر، كما تدين خلافة الأوائل بشكل غير مباشر (لأن الخلافة الأموية التي مثّلت انحرافاً واضحاً عن خط الاسلام، كانت نتيجة لخلافة الأوائل)، وهكذا قضية الغدير فإنها تثبت بُعد  التوّلي بشكل مباشر، كما تثبت بعد التبرّي بشكل غير مباشر.

أما القضية الفاطمية فإنها تمثّل إدانة مباشرة لكل الحكومات المنحرفة ابتداءً من حكومة الأوائل وانتهاءً بحكومة العثمانيين؛ ومن ثم فإن إحياء القضية الفاطمية هو إحياء للإيمان كله.

إن قضية الزهراء (عليها السلام) وإدانتها للأوائل واضحة جداً، لا غموض فيها ولا لبس.

يكفي أن تطرح هذا السؤال على أي مسلم: لماذا كل زوجات النبي (صلى الله عليه وآله) قبورهن معلومة، ولكن بنت النبي (صلى الله عليه وآله) العظيمة قبرها مجهول؟

يروى أن «نظام العلماء» (رحمه الله تعالى) عندما ذهب إلى الحج، التقى شخصاً في المدينة المنورة، فسأله: لماذا لم يُشيّع جثمان فاطمة عليها السلام؟ فقال: ولِِمَ لَم يُشيّع، فقد شُيّعت (عليها السلام) تشييعاً عظيماً. فقال له: هل تعرف كم اشترك في تشييع نافع – أحد القرّاء - ؟ قال: خلق كثير يزيد على الخمسمائة شخص.

فقال نظام العلماء: لماذا إذن عُرف قبر نافع ولم يعرف لفاطمة قبر؟

فقال الشخص: لا أعلم

وهنا قال له نظام العلماء: ولكني أعلم، لأن فاطمة (صلوات الله عليها) أوصت أن تدفن ليلاً وأن لا يحضر تشييعها إلاّ بضعة نفر.

ثم أخذ نظام العلماء يشرح لذلك الرجل مجريات الأحداث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله.

وكما أن قضية الإمام الحسين (عليه السلام) كانت السبب وراء تشيّع كثيرين، فكذلك هي قضية الزهراء (عليها السلام).

أحد المستبصرين وهو محام معروف ينقل في سبب تشيّعه لآل بيت النبي صلى الله عليه وآله: أنه كان في سفرة إلى بـيروت فوقع نظره على كتاب حول «أبناء الرسول في كربلاء» (لأحد علماء العامة)، فلفت انتباهه، وبعد أن طالعه أذهله ما جرى لأبناء الرسول (صلى الله عليه وآله) في كربلاء! فبدأ التحقيق الذي انتهى به إلى التشيّع.

وهكذا غيّرتْ قضية كربلاء هذا المحامي وحوّلته إلى أحد المحامين عن مذهب أهل البيت عليهم السلام.

كذلك روى مؤلفٌ مشهور أن تحوّله لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) كان بسبب استماعه إلى كاسيت صوتي سجّل عليه نصّ الخطبة الفدكية للسيدة الصديقة الزهراء (عليها السلام) إذ صار سبباً لبحثه عن الحقيقة، وانتهى به إلى الانتماء إلى مذهب أهل البيت صلوات الله عليهم.

مسؤوليتنا في شهري جمادى الاولى والآخرة

إن هذين الشهرين يتعلقان بسيدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وتتمثل مسؤوليتنا - ضمن ما تتمثّل - في إحياء قضيتها (عليها السلام)، وهذا الإحياء له مفردات كثيرة، ولكن هناك عنوانان عامّان يجمعان هذه المفردات (وإن كان بينها نوع من أنواع التداخل).

العنوان الأول: الإحياء الشعائري، مثل لبس السواد في الأيام الفاطمية وتسيير مواكب العزاء والحضور في المجالس التي تقام بالمناسبة.

لقد جمع السيد الإمامي (رحمة الله عليه) – وهو أحد علماء إصفهان - مسؤولي وأعضاء المواكب والهيئات قبل حوالى أربعة عشر عاماً بمناسبة مرور ألف وأربعمئة عام على شهادة الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ودعاهم إلى إحياء الشعائر الفاطمية، وقال لهم: إن علينا أن نجعل للقضية الفاطمية حرارة كحرارة عاشوراء أو نجعلها في الدرجة التالية لها.

ولقد أصبحت القضية الفاطمية اليوم في اصفهان تتلو قضية عاشوراء، في حيويتها وحرارتها.

ومما ينقل في أحوال المرحوم الإمامي أنه توفي في اليوم الأخير من العشرة الثانية الفاطمية في المكتبة التي أسسها باسم الزهراء عليها السلام، وكان آخر صفحة كتبها تحت عنوان «إنما سميت فاطمة لأن الخلق فُطموا عن معرفتها».

وقد نقل لي أن بعض الإخوة المؤمنين في الكويت يتبنّون اليوم إحياء هذين الشهرين بشكل كامل بإقامة المجالس التي تبدأ مع بداية شهر جمادى الأولى وتستمرّ حتى آخر شهر جمادى الثانية.

العنوان الثاني: الإحياء الثقافي

وهذا الإحياء مهم جداً، ونعني بالإحياء الثقافي: المساهمة في الكتابة والتأليف ( ونحو ذلك) حول الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام)، عسى أن تكون هذه المساهمة وسيلة من وسائل الشفاعة لنا يوم القيامة إن شاء الله تعالى.

إن ما كُتب حول الصديقة الزهراء (عليها السلام) قليل جداً، وهذه حقيقة مؤلمة تكشف عن مظلومية الزهراء (عليها السلام) في هذا الجانب أيضاً، فلقد أحصى أحد المؤلّفين في كتاب له كلّ ما ألّف عن الصديقة الزهراء (عليها السلام) خلال ألف وأربعمئة عام فلم يزد المقدار الذي عثر عليه على ألفين واثنين وعشرين كتاباً، في حين إنا نقرأ أن شاعراً توفي قبل أقل من قرن ألِّف عنه حوالي خمسة آلاف كتاب! أليس من المؤسف والمدهش أن لا يكتب حول الصديقة الزهراء (عليها السلام) إلاّ هذا المقدار القليل وهي أفضل الخلق بعد أبيها وبعلها[3] (صلوات الله عليها)؟

وتتبيّن فداحة الخطب عندما نعلم أن هذا العدد موزع كالتالي:

1047 كتاباً باللغة الفارسية

0614كتاباً باللغة العربية

0214 كتاباً باللغة الأوردية

0147 كتاباً بأربعة وعشرين لغة عالمية أخرى بما فيها الانجليزية والفرنسية والألمانية والروسية والإيطالية والإسبانية والكردية والهندية والصينية (أي معدل 6 كتب للغات ينطق ببعضها مئات الملايين، ويحكم الناطقون ببعضها بلادنا بشكل أو بآخر).

فهل يتناسب هذا مع هدف تعريف شخصية الزهراء (عليها السلام) للعالم كله؟

لقد فكّر السيد الوالد (رحمة الله عليه) بإصدار مجلة باللغة الإنجليزية في كربلاء المقدسة قبل أربعين عاماً تقريباً، ولم يكن المال متوفراً ولا المتبرع موجوداً، ولكن المشروع تحقق بصعوبات جمّة، وكان لا يتجاوز نسخ كل عدد منها المئات، يقول السيد العم حفظه الله: فكّرت أنه لو كانت هذه المجلة تصدر منذ ميلاد السيد المسيح (على نبينا وآله وعليه السلام) إلى اليوم – أو لنَقُل من الآن إلى ما بعد 2000 عام - لما بلغ مجموع نسخها ما يطبع من مجلة غربية في شهر واحد فقط! فبعض المجلات الغربية المعروفة يطبع منها في كل شهر ثلاثون مليون نسخة أي بمعدل مليون نسخة لليوم الواحد!

إن الصين تشكل اليوم حوالي سدس العالم من حيث التعداد السكاني، ويتنبأ لها البعض أن تكون حضارة حاكمة في المستقبل، فهل فكّرنا في مخاطبة الشعب الصيني ثقافياً؟

إن الحرب القادمة هي حرب وجود لا حرب حدود، حرب أن نكون أو لا نكون، فهل نقنع بإصدار كتاب في ألف نسخة لنتصور أننا فتحنا الحصون؟!

أجل إن هذه القطرات مؤثرة، ولكن ينبغي لنا أن نعلم أنها ليست سوى قطرات، وهذه ليست دعوة لليأس بل دعوة للمسارعة والانطلاق، إن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة، والمثل المعروف يقول: بدلاً من أن تلعن الظلام اشعل شمعة.

إن العالم غارق في الظلام، إلا أن ظلام العالم كله لا يستطيع أن يهزم نور شمعة واحدة.

فلو اهتمّ كل فرد منّا بالتحريك وتحريض الآخرين فإن هذه القطرات ستتجمع وتكوّن سيلاً كبيراً إن لم نقل بحراً؛ قال تعالى:  (يا أيها النبي حرّض المؤمنين...)[4].

ولا يقتصر العمل الثقافي على تأليف الكتب، بل يشمل توزيعها وإسنادها مالياً، كما يشمل تكثير الكاسيتات (الأشرطة الصوتية) وغيرها من الأعمال الثقافية، ولا ينبغي التهاون في أي عمل ثقافي مهما بدا صغيراً، فعسى الله تعالى أن يجعل تأثيره كبـيراً إذا تمّ بإخلاص.

يقول ابن المحدث الجليل الشيخ عباس القمي: سألت والدي: لماذا بلغ كتابك «مفاتيح الجنان» هذا المدى من الشهرة والانتشار؟ فقال: إنه ببركة الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) حيث إنني أهديت ثواب كتابي لها.

نسأل الله تعالى أن يجعل البركة في ما نقوم به من أعمال في هذا الطريق وأن تكون هذه الأعمال وسيلة من وسائل الشفاعة لنا في يوم القيامة وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


 

·  اُلقيت هذه المحاضرة في 4 جمادى الأولى عام 1425 ﻫ، على جمع من طلاب العلوم الدينية بمدينة قم المقدسة.

[1]  الحج: 32

[2] الأنعام: 9.

[3]  أو هي كفء بعلها.

[4]  الأنفال: 15.