|
التفكير العالمي |
||
|
|
|
|
|
|
||
|
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين[1]. يدور موضوعنا حول التفكير العالمي، ونتناول هذا الموضوع في فصلين: الفصل الأوّل: اختلاف الأمم والأفراد في مدى التفكير. الفصل الثاني: في مظاهر التفكير العالمى. نمهّد لهما بمقدمة وهي:
تأثير الفكر في حياة الإنسان إنّ لمنحي التفكير تأثيراً كبيراً في حياة البشر; وذلك لأنّ دور الفكر هو القيادة، وهذه القيادة لا ينحصر تأثيرها في الاتّجاه العام لحياة الإنسان فحسب، بل تتدخّل في كل مفردة من مفردات حياته، فإنّ كل جزئية من جزئيات حياة الفرد خاضعة لنمط تفكيره،[2] منذ أن يفتح عينيه في الصباح إلى أن يغمضهما في الليل. كان الوالد(رحمه الله) يقول: كان في كربلاء رجلان كلاهما عربيان وينحدران معاً من قبيلة واحدة (وهما على ما أتذكر حرملة بن كاهل الأسدي وحبيب بن مظاهر الأسدي) اختار الأوّل طريق النار وظلت تلاحقه اللعنات على مدى التاريخ، فيما اختار الآخر طريق الجنّة وظلّ ملهماً للأجيال. لو سألنا: لماذا أصبح حرملة هكذا؟ ولماذا صار حبيب حبيباً مع أنّ كليهما عربيان ومن قبيلة واحدة؟ لكان الجواب: إنّ نمط التفكير عند كل منهما يختلف عن الآخر. والأمثلة على ذلك كثيرة، فأبو ذر و أبو لهب كلاهما عاصر النبى(صلى الله عليه وآله)ورآه، ولكن أبا لهب نزلت سورة من القرآن الكريم في ذمّه وذم زوجته ـ ولا تحضرني سورة في القرآن الكريم نزلت بكاملها في ذم شخص آخر سواه ـ أما أبو ذر فهو الذي قال عنه رسول الله(صلى الله عليه وآله): «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر»[3]، فذاك قاده تفكيره إلى تلك النهاية الشقية، وهذا ساقه تفكيره إلى هذه العاقبة السعيدة. إذن للفكر أهمية كبرى في حياة البشر، وهناك روايات كثيرة في هذا المجال ذكر بعضها العلامة السيد عبد الله شبّر في كتابه «مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار» وهو كتاب جيّد حري بالمطالعة. المهم في المقام هو أنّ الأفراد يختلفون في أفكارهم وفي مدى التفكير وحدوده، وهذا الاختلاف يؤثّر تأثيراً بيّناً في كل خطوة من خطوات حياة الفرد، وهو ما نتناوله في الفصل الأوّل من هذا البحث.
الفصل الأوّل: الاختلاف في مديات التفكير يختلف الأفراد في مدى تفكيرهم إلى أنواع; نذكر بعضها: النوع الأوّل: ذوو التفكير الشخصي أو الشخصاني ـ إذا جاز التعبير ـ وهؤلاء تكون الذات هي المحور وهى المنطلق والغاية وهي الإطار والهدف في تفكيرهم، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنّ هذا حال أغلب الناس مع الأسف. هناك كلمة لأحد العلماء جديرة بالتأمّل، يقول فيها: نحن البشر في الغالب نتألم لوجع سن واحدة من أسناننا أكثر مما نتألم لموت مليون فرد من أفراد البشر جوعاً مثلاً، مع أنّ الله سبحانه وتعالى قد كرّم بني آدم! فإنّ كثيراً من الناس لا يهدأ له بال إذا أصابه أدنى أذى في بدنه، ولكنه لا يكترث ولا يحرّك ساكناً بل لا يشغل فكره الأمر فيما لو اُخبر أنّ في أثيوبيا مثلاً عشرة ملايين إنسان مهدّدون بالموت جوعاً! هذا النمط من التفكير هو تفكير أناني، فصاحبه يحب للأنا ويبغض للأنا ويعمل للأنا، ولو بحثتم عن السبب والجوهر الحقيقي وراء كلّ ما يعمل لوجدتم أنّ الأمر لا يعدو تجارة مادّية فقط. وهذا النوع ـ كما قلنا ـ يمثّل مع الأسف حال كثير من البشر إن لم يكن حال أكثر البشر. النوع الثاني: أصحاب التفكير العائلي، فهؤلاء يترقّون درجة فيفكّرون في حدود عائلاتهم، فكل ما يشغل فكر الفرد هنا زوجته وأولاده وأحفاده، فتفكيره عائلي فقط. النوع الثالث: التفكير العشائري وهو أرقى من النوع الأوّل بدرجة، لأنّ الفرد يفكّر في عشيرته وأقاربه، ولكنه لا يفكّر أبعد من ذلك. النوع الرابع: التفكير القومي، وهذا النوع من التفكير ينطلق من المصالح القومية، أى أنّ المصالح القومية هي التي تقود تفكير الإنسان وتشغل باله ويعمل من أجلها ويضرب ما يتعارض معها. وهذا أرقى من مسابقه لا شكّ. النوع الخامس: التفكير الإقليمي أو القطري، حيث يكون ملاك التفكير عند صاحبه هو البلد الذي يعيش فيه. وهناك أنواع أخرى كالتفكير اللوني أو اللغوي وغيرهما. النوع الأخير والأعلى: التفكير العالمي، وهو أن يكون تفكير الفرد على مستوى العالَم.
تأثير الفكر في حركة الإنسان لا شكّ أنّ كل نمط من هذه الأنماط ـ كما نوّهنا إلى ذلك في المقدمة ـ يؤثّر في كل جزئية من جزئيات حركة الإنسان وقرارته، حتى أنه يؤثر في اختيار المسكن والمدفن والزواج والتجارة. أي أنّ قضية نوع التفكير الذي يتبنّاه الإنسان ليست قضية تجريدية لا ربط لها بالواقع، بل هي مرتبطة به ارتباطاً وثيقاً وتفصيلياً، فإنّ الفرديفكّرحدود الإقليم يرى أنّه لابدّ أن يسكن ذلك الإقليم، يعيش فيه ويموت فيه حتى لو تعرّضت حياته وكرامته للخطر والزوال، وكأنّ الله سبحانه وتعالى لم يخلق إلاّ تلك الرقعة الجغرافية الضيقة، وكأنّه لم يسمع قول الله عزّ وجلّ: (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الاَْرْضِ مُرَ غَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً)[4]. فمع أنّ الأرض كلها لله، لكنّنا نرى أصحاب التفكير الإقليمي يحصرون تفكيرهم ووجودهم في الأرض التي وُلدوا فيها ويعتقدون أنّ عليهم البقاء فيها مهما كان الثمن، وقد يتّخذون قرارات خاطئة وفق هذا التفكير الخاطئ، وهذه بعض الأمثلة: l لقد بعث السيد الوالد(رحمه الله) إلى عالِم من العلماء رسولاً ـ أعرفه ـ ذكر له أنّ بقاءه في البلد الكذائي خطر عليه وأنّ المصلحة تكون في مغادرته لذلك البلد; لأنّ الحكّام سيمنعونه من ممارسة دوره ويقضون على حياته. ولكن ذلك العالِم أصرّ على البقاء وقال في جواب الرسول: إنّنى ينبغي أن أبقى في هذا المكان مهما كلّف الأمر. وكانت العاقبة أن قُبض عليه بعد مدة قصيرة وقُتل. l وأتذكّر أيضاً أنّ السيد الوالد (رضوان الله تعالى عليه) نصح عالِماً آخر جاء لزيارته بعدم العودة إلى البلد الذي جاء منه، ولم يقتنع ذلك العالِم وكأن منطقه كان: (لقد وُلدتُ في ذلك البلد ويجب أن أبقى فيه مهما كان) ـ وهذه هي النزعة الاستصحابية ـ ولم تمضِ إلا فترة قصيرة على عودته حتى أُلقي القبض عليه واقتيد إلى غياهب السجون الخفية ولا يُعلم عنه أيّ خبر حتى اليوم حيث يمرّ على القضية سنوات طويلة. تبيّن إذاً أنّ نمط التفكير ليس شأناً مجرّداً بل إنّه يؤثّر على كل القرارات التي يتّخذها الفرد من المسكن وحتى المدفن. l نقل أحد الخطباء أنّه كان حاضراً عند السيد الوالد(رحمه الله) إذ جاءه أحد العلماء المتقين وقال: إنّه تعب من الأوضاع وإنّه يشعر بقرب أجله، فقال له الوالد: هاجر إلى بلاد الغرب، فتعجب الرجل وقال: أأذهب في نهاية عمري إلى الغرب فأموت هناك! فقال له الوالد: موتك هنا لا يغيّر شيئاً ولكنك إذا متّ هناك فربما أصبح مثواك هناك وأنت العالِم المتّقى مركزاً للإشعاع الفكري حيث يؤمّه المتدينون وربما تقرّب بعضهم بك إلى الله لقضاء حوائجهم، أو جرت العادة على قراءة القرآن والأدعية عند مرقدك وأصبح محلاًّ عبادياً! أرأيت كيف أنّ نوع التفكير ومداه وحدوده وإطاره تؤثّر كلها في كل جزئية من جزئيات حياة الفرد حتى اختيار محلّ موته؟!
الفصل الثاني: مظاهر التفكير العالمي للتفكير العالمي مظاهر في مختلف الحقول، فله مظاهر في الحقل الاقتصادي، وفي الحقل السياسي، وفي الحقل التبليغي. وحيث إنّنا في الغالب حاملون لراية التبليغ، فإنّ حديثنا يدور في مظاهر التفكير العالمي في الحقل التبليغي، ذلك أنّ للتفكير العالمي تأثيراً في نمط التبليغ وكيفيته وأسلوبه ورقعته وأبعاده. إنّ الله تعالى لم يجعل الدين حكراً على بلد معيّن، لقد كانت البيئة التي نشأ الرسول(صلى الله عليه وآله) وترعرع فيها بيئة ضيّقة ومحدودة، وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال مراجعة المعلّقات والقصائد الأخرى للعرب يومذاك، ولكن القرآن الكريم لغته لغة عالمية. يقول الله تعالى: (لِيَكُونَ لِلْعَــلَمِينَ نَذِيرًا)[5]. ويقول في آية ثانية: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)[6]. وفي آية ثالثة: (وَ مَآ أَرْسَلْنَـكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَــلَمِينَ)[7]. وفي آية رابعة: (وَ مَآ أَرْسَلْنَـكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ)[8] وليس لبقعة خاصة. ويقول في آيات أخرى: (يَـأَيُّهَا النَّاسُ)[9]. هناك كتاب جمع «مكاتيب الرسول(صلى الله عليه وآله)» التي بعثها إلى ملوك العالَم في وقته، فلقد بعث(صلى الله عليه وآله) كتباً وسفراء إلى ملك الروم وكسرى فارس وملك الحبشة وعظيم القبط، والحارث بن أبي شمر ملك تخوم الشام، وهوذة الحنفي ملك اليمامة، وبعث كتباً إلى رؤساء العرب وشيوخ القبائل، وإلى الأساقفة وإلى مختلف الطوائف. ولقد تأثّر بعض هؤلاء واستجاب، ومن أولئك أسقف الروم فإنّه بعدما قرأ كتاب النبي(صلى الله عليه وآله) خرج إلى الكنيسة في حشد وقال: يا معشر الروم إنّه قد جاءنا كتاب أحمد يدعونا إلى الله، وإنّي أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله. ومنهم فروة عامل قيصر بعمان فإنّه عندما جاءه كتاب النبي(صلى الله عليه وآله) آمن وأعلن إيمانه، فطُلب فأُخذ وقُتل. وكذلك ملك البحرين المنذر بن ساوا، فقد قبل دعوة النبي(صلى الله عليه وآله) وأعلن إسلامه، ولقد أعلنت البحرين إسلامها منذ بدايات أمرها. وقصة النجاشي في هذا المجال معروفة أيضاً. وهذا يتطلب منّا أن لا نحصر اهتمامنا في بلد أو إقليم أو قومية بل نكون عالَميين في تفكيرنا التبليغي.
التشيّع في الهند وتايلند والفلبين l لقد انتقل التشيع إلى الهند وأُعلنت فيها الشهادة الثالثة بفضل جهود عالِمَين قدّما حياتهما ثمناً لذلك، هما: الملا عنايت الله الشيرازي والملا فتح الله الشيرازي، قتلهما (إبراهيم شاه) الحاكم الناصبي المتعصب في الهند يومذاك بعد أن علم بخبرهما وأنّهما غرسا بذور التشيع في قلب ولده المسمى (علي). ولقد نُقل عن العلاّمة الأميني(رحمه الله) أنّه قال بعد عودته من الهند: ليت لي أموالاً عظيمة أنفقها لطلاب العلوم الدينية لكي ينشروا الإسلام في العالَم. l أما في تايلند فيعود الفضل فيه إلى رجل اسمه أحمد من أهالي مدينة قم المقدسة، وتعود قصته إلى ما قبل حوالي خمسة قرون، حيث إنه سافر إلى تايلند وتزوج فتاة تايلندية ثم بدأ نشاطاً اجتماعياً هناك حتى أصبح في فترة من الفترات رئيساً للوزراء بفضل ما تحلّى به من حكمة وعقل ودراية، واستطاع أن ينشر الإسلام والتشيع في البلاد، فبنى مساجد وحسينيات وأسس مشاريع حتى أنّ ما نجد اليوم من انتشار الإسلام والتشيع هناك مدين لجهود الشيخ أحمد القمي هذا، وله اليوم مرقد عظيم وقبة يزوره الناس ويتشفعون به إلى الله تعالى لقضاء حوائجهم، كما رأيت المشهد مصوّراً. وهكذا أصبح الرجل ملجأ للمسلمين وربما قصده غير المسلمين أيضاً، بينما لو بقي تفكيره محصوراً في مدينة «قم» لربما ضاع بين الآلاف أو الملايين الذين لم يقدّموا شيئاً ذا بال. لا نقصد من هذا الكلام أن لا يبقى الإنسان في مدينته أو قم المقدسة مثلاً، بل المقصود أن يكون تفكيره عالمياً. l لقد نقل السيد الوالد(رحمه الله) أنّ مسلمي الفلبين هم الآخرون مدينون لجهود الشيخ عبد الله المكي الذي ذهب إليهم قبل مئات السنين ونشر بينهم الإسلام. الخلاصة يجب علينا أن نأخذ العِبَر والدروس من هؤلاء في فكرهم الشمولي وأن يكون تفكيرنا كما أراده الله سبحانه وتعالى تفكيراً عالَمياً، ألسنا نقول في كل يوم عدة مرات: «الحمد لله رب العالمين»، فربوبية الله عالَمية ورحمته للعالمين ورسالته كونية. وفي الحديث الشريف: «مَن أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم»[10]، ولم يقل لم يهتم بأمور بلد معيّن أو قطر معيّن أو عشيرة معيّنة بل قال(صلى الله عليه وآله)بأمور المسلمين كلهم. نسأل الله تعالى أن يوفّقنا للتأثير في مجرى التاريخ فيما بقي من أعمارنا، وهذا ممكن بإذن الله، إن كان تفكيرنا عالمياً، وعملنا عالمياً. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين [1]. تقريراً للمحاضرة التي ألقيت في الخامس والعشرين من ذي القعدة عام 1423 هـ. [2]. أو هو من العوامل الرئيسية في ذلك. وهذه الملاحظة سارية فيما يأتى من الكلمات أيضاً. [3]. بحار الأنوار: ج22، ص398، ح4. [4]. النساء / 100. [5]. الفرقان / 1. [6]. الفتح / 28. [7]. الأنبياء / 107. [8]. سبأ / 28. [9]. البقرة / 21 و169، النساء / 1 و170 و174، الأعراف / 158، يونس / 23 و57 و104 و108، الحج / 1 و5 و49 و73، لقمان / 33، فاطر / 3 و5 و15، الحجرات / 13. [10]. الكافى: ج2، ص163، ح1. |
||
|
|
||