قبس من النهضة الحسينية




بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين[1].

يقول الإمام الصادق(عليه السلام) في زيارة جده الإمام الحسين(عليه السلام) في يوم الأربعين: «وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة»[2].

هذا النص الشريف يحتوى على مفاهيم ومباحث ذات مضامين عالية، نتناول مبحثين منها باختصار; يتعلق الأوّل منهما بكلمة «فيك» ويتعلّق الثاني بكلمة «ليستنقذ» الواردتين في النص:

 

المبحث الأوّل: تضحية الإمام الحسين من أجل الله تعالى

يدور هذا المبحث حول كلمة «فيك» الواردة في النص، وهي هنا تعني «لأجلك»، والمخاطَب هو الله تعالى، لأنّ «في» في اللغة العربية قد تأتي بمعنى لام التعليل، كما يقوله ابن مالك في الألفية، والمقصود بذلك الباعث والدافع الذي يحرك الإنسان نحو القيام بعمل ما، وهذا بحث تناوله العلماء في علم الحكمة الإلهية وعلم الأخلاق وعلم الفقه، وتناوله العلماء الجدد في علم النفس، فإنّ كل عمل إرادي يصدر منا نحن البشر يتوقف على دافع ومحرك ومنطلق، وهذا الدافع يرجع بالتحليل إلى أحد أمور ثلاثة، هي:

ـ الدافع الأوّل: أن يكون العمل للدنيا.

ـ الدافع الثاني: أن يكون العمل للآخرة.

ـ الدافع الثالث: أن يكون العمل لله تعالى.

 

أمثلة على الدافع الأوّل

فتارة يكون الهدف من وراء العمل دنيوياً، وهذا ـ مع الأسف ـ هو حال أكثر أعمالنا، فهي ـ في الغالب ـ للدنيا، كالتاجر مثلاً يذهب إلى متجره كل يوم، ودافعه الحصول على المال، أى إنّ عمله للدنيا، ولذلك فهو لا يستحق على الله تعالى شيئاً، ولا يمكنه أن يطلب من الله سبحانه أجراً على عمله، في يوم القيامة، لأنّه عمل للمال، وقد نال ما عمل من أجله، أو لم ينل، فماذا يطلب من الله عز وجلّ؟

مثال آخر: الطالب الذي يدخل المدرسة ويطلب العلم وهدفه أن ينال الشهادة، فهو الآخر لا يستطيع أن يطلب من الله تعالى شيئاً لقاء طلبه العلم، لأنّه لم يطلبه لله، بل للشهادة.

مثال آخر: الكريم الذي يبتغي الشهرة والذكر الحسن من وراء كرمه، لقد كان حاتم الطائي يجود حتى بلقمته للآخرين، ويروى أن زوجته واسمها ماوية لم تكن راضية على هذا المستوى من البذل، فقال لها:

أماويّ إنّ المال غاد ورائح *** ويبقى من المال الأحاديث والذكر

يريد بذلك: أنّ المال يزول ولكن الذكر الذي أحصل عليه بسبب البذل يبقى.

فإذا فرضنا أن ذلك كان هو منطلق حاتم في كرمه، فإنّه لا يستحق على الله تعالى في يوم القيامة شيئاً، لأنّه كان يطلب الذكر الحسن والسمعة الطيبة والشهرة وقد نالها.

إن المهم عند الله تعالى هو الدافع، إذن، قبل أن نشرع بأيّ عمل، علينا أن نفكر أوّلاً ما هو دافعنا للقيام بذلك العمل؟

 

الفرق بين الدافعين الأخيرين ، وتوضيحهما بالأمثلة

الدافع الثاني ـ كما ذكرنا آنفاً ـ هو أن يعمل الإنسان للآخرة، أى طمعاً في الجنة أو خوفاً من النار، وخوف العقوبة أشد تأثيراً ـ غالباً ـ من الرغبة في الثواب، ولعله لذلك كان الإنذار مقدماً على التبشير في القرآن الكريم، ولذلك أيضاً نرى كثيراً من الناس لا يعملون المستحبات حتى الأكيدة رغم ما فيها من عظيم الثواب، وذلك بخلاف الواجبات، مثلاً: يستيقظ المتدينون عادة لصلاة الصبح لأنهم يعلمون أن في تركها العقوبة بخلاف صلاة الليل فإن الأكثرية ربما يتركونها رغم ما فيها من الثواب الجزيل، إذ لا عقوبة في تركها.

وعلى كل حال فالباعث والمحرك في هذا القسم هو أخروي ويتمثل بالخوف من النار أو الطمع في الجنة. وقد يبدو هذا الباعث لأوّل وهلة أرفع البواعث، ولا شكّ أنّه باعث رفيع خلافاً للأوّل، ولكن قبل أن نبيّن رأينا في الموضوع لنستمع إلى سيدنا ومولانا الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في تقييمه لهذا الباعث; يقول (صلوات الله وسلامه عليه): «إنّ قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار»[3].

لاشكّ أنّه يجب أن نخاف من النار وأن نطمع في الجنة، ولكن العبادة لأجل الخوف والطمع هي عبادة التجار والعبيد لا عبادة الأحرار ـ كما قال أمير المؤمنين(عليه السلام) ـ فالعبد يخوّفه المولى بالعصا أو يطمعه في الأجر فيطيع ويعمل.

ولا بأس أن نذكر الشاهد التالي: إن من الأمور المجربة: أنّ مَن كان في بدنه ألم فليسجد سجدتين شكراً لله تعالى بعد الانتهاء من الفريضة ثم ليمسح يده بعد ذلك على موضع سجوده ثم يمسح بها موضع الألم، فإنّه يبرأ بإذن الله تعالى.

يقول أحد الإخوة ـ وهذه التفاتة لطيفة منه ـ : إني عندما أسجد هاتين السجدتين أشعر بالخجل من الله تعالى، فإنّني أحس أنّ هذا نوع من المقايضة والمعاملة التجارية، لأنّي أتيت بالسجدتين مقابل رفع الألم; ولذلك فإنّي أسجد سجدة ثالثة لتكون لله تعالى وليس لرفع الألم وما أشبه.

شاهد ثان: قد يذهب بعض المؤمنين إلى حرم السيدة فاطمة المعصومة(عليها السلام)لمشكلة يريد الخلاص منها مستشفعاً بهذه السيدة العظيمة، وهذا شيء جيد ولا بأس به، ولكنه يمثّل مرتبة دنيا، وعلينا دائماً أن نسعى لأن نكون في حالة ارتفاع وارتقاء لنصل إلى المراتب العليا، فلنذهب بعض الأيام إلى حرم السيدة المعصومة (صلوات الله عليها) ليس لقضاء حوائجنا الدنيوية وإنما لأنّها جديرة باحترامنا.

إذا ابتُلي أحدنا بمشكلة أو مصيبة فليتضرع إلى الله ويدعوه، فهذا أمر حسن والله تعالى يقول: (فَلَوْلاَ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا)[4]، ولكن ثمة مرتبة أعلى وهي أن ندعو الله تعالى ونبكي ونتضرع إليه ونناجيه بأنواع الدعوات ـ كدعاء كميل مثلاً ـ ليس لأنّ ضغط الحاجة يدفعنا، بل لأنّ الله تعالى أهل للعبادة.

 

دافع الإمام الحسين(عليه السلام) للتضحية

هذه الفقرة التي قرأناها في زيارة الأربعين وهي «بذل» الحسين(عليه السلام)«مهجته» في الله تعالى، تعني أنّ تضحية الإمام الحسين(عليه السلام) العظيمة لم تكن من أجل الجنة بل كانت من أجل الله تعالى، أجل إنّ الإمام الحسين(عليه السلام)يحب الجنة وكلنا نحب الجنة، ولكن تضحيات الإمام الحسين(عليه السلام)كانت «لله» تعالى، وكما قال أمير المؤمنين(عليه السلام)مخاطباً ربه: «ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك».

فشتان ـ مثلاً ـ بين ولد يذهب لزيارة والده ويقبّل يده طمعاً في ما قد يحصل عليه من النقود، وولد يقوم بذلك العمل لأنّه يرى أنّ مقام الأب يقتضي ذلك، وشتان بين أن تعود شخصاً وتزوره لطمع في أمواله مثلاً، وأن تزوره بسبب ما يستحقه من احترام وتقدير.

لقد بكى النبي شعيب (على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام) حتى ابيضت عيناه، وعندما سأله الله سبحانه عن سبب بكائه قال: أبكي حباً لك، فشتان بين بكاء شعيب(عليه السلام) وبكائنا نحن!

يقول الشاعر مخاطباً الإمام الحسين(عليه السلام):

تبكيك عيني لا لأجل مثوبة  ***  لكنّما عيني لأجلك باكية

فلنصلّ أحياناً بعض الركعات المستحبة لله تعالى، لكونه أهلاً للعبادة، كما نصلّي للحاجة، فإنّ للصلاة إعظاماً لله ـ ومن دون وجود حاجة تدفعنا إلى ذلكـ قيمة كبيرة عند الله تعالى.

 

المبحث الثاني: نهضة الحسين(عليه السلام) من أفضل سبل الإنقاذ

لقد ورد في النص أيضاً: «ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة».

وهذا الاستنقاذ له مجالان:

 

المجال الأوّل: الاستنقاذ في الإطار الخاص

وأعني به إنقاذ أبنائنا وبناتنا من الأخطار التي تداهمهم في هذا العصر، ومن أفضل الوسائل لهذا الإنقاذ مجالس سيد الشهداء(عليه السلام) والشعائر الحسينية، فإنْ نحن وضعنا أنفسنا وأولادنا وعوائلنا في أجواء هذه المجالس والشعائر الحسينية فإنّها ستكون من أفضل الضمانات لإنقاذهم ونجاتهم، أما إذا لم نهتم بهذا الأمر فإنّ الابن قد يشكّل خطراً على أبيه وعلى العائلة والمجتمع، ولنا عبرة في هذه القصة التي حدثت في إحدى البلاد العربية، ومضمونها التقريبى:

إنّ رجلاً سحب أمواله من المصرف وعاد إلى البيت، ولما جن عليه الليل وإذا بشخصين ملثمين مسلّحين (أو أكثر) دخلا عليه وأمراه أن يسلّمهما المال وإلاّ قتلاه.

تحير الرجل وفكر في طريقة للتخلص منهما وعدم التفريط بالمال، فقال لهما: إنّ المال في الغرفة المجاورة اسمحا لي لآتيكما به. وخرج الرجل ثم عاد إليهما من باب آخر وهو يحمل سلاحه الناري ويده على الزناد، فأطلق عليهما النار وأرداهما في الحال قتيلين، وعندما أماط لثامهما اكتشف أنّ أحدهما ابنه والآخر ابن أخيه.

تصوّروا خطورة الموقف وما آلت إليه مجتمعاتنا! لقد صار الابن يهدد أباه ويحاول نهبه!! يا له من خطر كبير! فإذا لم يهتم الآباء والأمهات بهذا الجانب فسيصبح الجيل الجديد في خطر.

أما الذين عاشوا مع سيد الشهداء(عليه السلام) ونشأوا في مجالسه يحزنون لمصابه ويلطمون صدورهم عليه ويشتركون في مواكب عزائه، فقد حصلوا على ضمانة لنجاتهم بإذن الله تعالى، وإذا كانت في حياتهم بعض اللمم، فإنّ سيد الشهداء سيهديهم إلى الله تعالى في نهاية الأمر إن شاء الله تعالى، وما أكثر الموالين الذين استقاموا في حياتهم ببركة سيد الشهداء(عليه السلام).

المجال الثاني: الإنقاذ في الإطار العام

لو كنا نعرف قيمة سيد الشهداء(عليه السلام) حقاً لاستطعنا أن ننقذ العالَم كله بإذن الله تعالى، فإنّ القدرة الموجودة في نهضة سيد الشهداء(عليه السلام) بإمكانها أن تنقذ جميع العباد والبلاد; لما فيها من جاذبية عجيبة، ولما انفردت به من البطولات.

يقول أحد الغربيين: لقد قرأت تاريخ الحروب المدوّنة كلها فلم أجد فيها من بدايتها إلى نهايتها موقفاً لقائد يشبه موقف الحر الرياحي، راجعوا التاريخ كله، هل تجدون قائداً ينتقل من الطرف الأقوى إلى الطرف الأضعف من الناحية العسكرية مضحياً بمنصبه وهو يعلم أنّ مصيره القتل حتماً؟!!

إنّ قضية كربلاء مشحونة بالبطولات العظيمة وقد اشترك فيها الرجال والنساء والأطفال والشيوخ والشباب والأحرار والعبيد... ولذلك فهي مؤثرة في كل شرائح المجتمع.

إنّ انتشار التشيّع في العراق رهين لنهضة سيد الشهداء(عليه السلام)، لقد فكّر أحد علماء العراق في استقطاب الشعب العراقي إلى خط أهل البيت(عليهم السلام)، فوجد أنّ أفضل طريقة هي نهضة الإمام الحسين(عليه السلام)، فكان هذا العالِم يذهب إلى المدن والقرى ويذكر لأهاليها قصص وبطولات كربلاء وما تحفل به من البطولات والمآسي حتى استطاع أن يهدي حوالي مئة ألف إنسان إلى التشيّع.

بلد آخر كان عدد الموالين لأهل البيت(عليهم السلام) لا يزيد على عشرة ملايين نسمة، ولكن ببركة المجالس الحسينية اهتدى إلى خط أهل البيت(عليهم السلام) الكثير من السكان حتى بلغ عدد الموالين ثلاثين مليون نسمة ـ كما نقل بعض العلماء من سكنة ذلك البلد ـ وهذا الأمر أرّق أعداء آل البيت فاجتمعوا وفكّروا في الوقوف في وجه هذه الظاهرة وهذا الموج الحسيني الهادر الذي لو قدّر له أن يسري لاهتدى كل أهل البلد أو معظمهم بفضل قضية سيد الشهداء(عليه السلام)وما تحظى به من جاذبية.

 

مجالس الإمام الحسين من الباقيات الصالحات

إذن ينبغي علينا أن نساهم بمقدار إمكاناتنا في هذا المجال، فهي من أعظم الباقيات الصالحات، يقال إنه كان هناك رجل من الأعيان في إيران يقال له فرهاد ميرزا، اجتمع الأعيان مرة وبدأ كل منهم يعدد ما يملك من عقارات وأراض وأرصدة وأموال في المصارف والبنوك، ولكن فرهاد ميرزا لم يقل شيئاً، فقالوا له: وأنت يا فرهاد لم تخبرنا عما تملك؟ فقال: دعوني من ذلك. ولما ألحّوا عليه قال: إنّ لي رصيدين في بنكين: الأول: كتاب «القمقام»[5] في (بنك سيد الشهداء(عليه السلام)) والثاني: بناء الصحن في (بنك الإمامين الكاظمين عليهما السلام).

لقد ذهبت أرصدة أولئك الأعيان كلها وبقي رصيدا فرهاد ميرزا، فقد ادّخرهما في حساب مصرفي مسجل لدى الإمام الحسين والإمامين الكاظمين عليهم السلام.

وبعد أيام قلائل لا يبقى أيّ منا على قيد الحياة وتذهب كل أموالنا، ولا تبقى منا إلاّ الأعمال الصالحة، فلنبادر إلى الإكثار منها، ومنها المشاركة في مجالس وشعائر أبي عبد الله الحسين(عليه السلام).

 

لا ينفع في الآخرة عمل مثل ما تنفع الشعائر الحسينية

وقد نقل لي أحد الأخوة المؤمنين أنّه رأى السيد الوالد (رضوان الله عليه) في عالم الرؤيا فقال له: قل لأولادي وأحبائي إنّه لا ينفع هنا في عالَم القبر إلاّ الحسين(عليه السلام)، ثم ذهب وعاد  وكرر عليه القول مرة ثانية.

ثم ذهب وعاد وقال مرة ثالثة: قل لأولادي وأحبائي لا ينفعكم هنا إلاّ الحسين(عليه السلام).

وهناك رؤية مشابهة للعلاّمة الحلي رضوان الله عليه، فقد رئي في عالَم المنام يقول لولده: لولا كتاب الألفين (وهو كتاب في الدفاع عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)) وزيارة الحسين(عليه السلام)، لكان (كذا).

أيها الأخوة، ستزول المظاهر التي نراها بعد أيام ويتحول هذا الوجود الحي المتحرك النابض إلى اسم على شاهد قبر، ولنعلم أنّ «اليوم عمل ولا حساب وإن غداً حساب ولا عمل»[6].

وإنّ هذه الأعمال، وهذه الدموع، وهذه المجالس، وهذه الشعائر هي التي ستبقى لنا، فلو أنّ أحدنا استطاع أن يساهم ببناء حسينية أو إقامة مجلس أو نحو ذلك، فلا يقصر فهي من الباقيات الصالحات له.

نسأل الله تعالى أن لا يحرمنا من هذا التوفيق العظيم، توفيق إقامة مجالس وشعائر أبي عبد الله الحسين(عليه السلام).

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين


[1]. ألقيت هذه المحاضرة في مدينة قم المقدسة على ثلة من المؤمنين الكرام.

[2]. إقبال الأعمال: ص590.

[3]. نهج البلاغة: ص 510، ح 237.

[4]. الأنعام / 43.

[5]. وهو كتاب مؤلف في نهضة سيد الشهداء عليه السلام.

[6]. الكافي: ج8، ص58.